|
هكذا .. يكون مشهد من مشاهد "الجاهلية الأولى" قد تكرر في هذه الأيام، وأقصد به مشهد "داحس والغبراء" وغيره من مشاهد "الاقتتال والدماء والعصبية والحمية الجاهلية" بين الإخوة الأشقاء ويزداد الأمر قبحا وسفاهة وسفالة :
أن يكون هذا الاقتتال على "كرة"
وإليك أخي القارئ قصة "داحس والغبراء" لتدرك بعض وجوه الشبه بين أنصار "الكرة" وأنصار "داحس"
لقد احتدمت حرب "داحس والغبراء" بين قبيلتي عبس وذبيان
والسبب الذي أشعل الشرارة الأولى لنيران هذه الحرب الضروس كان "السباق" الذي أجري بين الفرسين "داحس" وكان فحلاً لقيس بن زهير العبسي، و"الغبراء" وكانت أنثى لحمل بن المنذر بن بدر الذبياني وكان قد تم الاتفاق بين الطرفين على "رهان قدره مئة بعير".
فأعد حمل بن بدر صاحب "الغبراء" كميناً "لداحس" في طريق السباق، حيث أمر بعض فتيان قومه بالظهور فجأة أمام داحس مما تسبب في سقوط فارسه.
وفازت "الغبراء" بسبب هذا الخداع، وكاد صاحبها يحصل على الرهان لولا أن انكشفت المؤامرة فحكم المحكمون لداحس بالرهان وانتهى السباق وأخمدت الفتنة.
ولكن "دعاة السوء" من قوم حذيفة بن بدر لاموا حذيفة على التسليم بالأمر الواقع وإعطائه الرهان لقيس، فطالب ابن بدر بالرهان.
ولكن باءت محاولاته بالفشل، وتطاول ابن حذيفة على قيس "بالشتائم" فما كان من قيس إلا أن طعنه برمح فأرداه قتيلاً وطار الشر بين القبيلتين لولا رسل الخير الذين فرضوا على قيس إعطاء دية القتيل وهدأت الفتنة.
ولكن تفجرت روح الشر في حذيفة بن بدر وأخيه حمل، جعلت أقواماً من قبيلتهم يقتلون مالك بن زهير شقيق قيس بن زهير.
وقَبِل قيس الدية في مقتل أخيه إخماداً للفتنة ولكن حذيفة رفض إعطاء الدية رغم تسامح قيس الذي كان يروم إرجاع المياه إلى مجاريها بين أولاد العم فحلّت الكارثة وقامت الحرب بسبب "سباق خيل".
هذا ما وقع في الجاهلية .. وأما في الإسلام
فاقرأ هذه المبادئ الإسلامية الحضارية
وقارن بينها وبين دعاة الفتنة ومؤججي الحرب بين الإخوة الأشقاء على الطريقة الجاهلية، في هذه الأيام وفي أثناء هذه المباراة المشؤومة، التي أخذت شكل المعركة ، ورفعت فيها رايات الخراب، وسُدِّدت في ساحاتها الحِراب ..
لا يسخر قوم من قوم
ألم يقل ربنا عز وجل : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)) [الحجرات : 11]
أعيَّرْته بأمه
ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر الغفاري رضي الله عنه وهو من هو لما عيَّر شخصا بأمه: « يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ » وإليك تمام القصة عَنِ الْمَعْرُورِ قَالَ لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلاَمِهِ حُلَّةٌ ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ إِنِّى سَابَبْتُ رَجُلاً، فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِىَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم - « يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ » [صحيح البخارى]
لقد قلتِ كلمة لو مُزِجت بماء البحر لمزجته
- ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم لزوجه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: ( لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ البَحْرِ لَمَزَجَتْهُ !) لما قالت للنبي صلى الله عليه وسلم : (حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كذَا وكَذَا) . قَالَ بعضُ الرواةِ : تَعْنِي قَصيرَةً، فقالَ صلى الله عليه وسلم: (لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ البَحْرِ لَمَزَجَتْهُ !)
هل سمعت وهل رأيت
أخي الكريم : هل سمعت من قبل في تاريخ المسلمين، همزا ونخسا وغمزا ولمزا ونبزا ولقْسا وسبا وشتما ولعنا وقدحا وقدْعا وكسْعا بين شعبين مسلمين شقيقين كما حدث هذه الأيام.. بسبب "كرة" .. جعلتنا تحت القدم .
قصة "العضباء" وسقوط النجومية بهدوء
- أخي القارئ الكريم تدبر قصة "العضباء" ناقة النبي صلى الله عليه وسلم، في مباراة السباق، والتي كانت تُحَطم كل الأرقام في كل سباق، وصارت أشهر من نار على عَلَم، ولكنها في يوم من الأيام عثرت قدمها وتهادت في مشيتها بإذن خالقها وتدبير مُنشئها، ووقعت الهزيمة .. وسبقها "قعودُ" أعرابي.. وشَقَّ ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.. فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قَالَ: (كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَاقَةٌ تُسَمَّى الْعَضْبَاءُ لاَ تُسْبَقُ فَجَاءَ أَعْرَابِىُّ عَلَى قَعُودٍ لَهُ فَسَبَقَهَا فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَلَمَّا رَأَى مَا فِى وُجُوهِهِمْ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ سُبِقَتِ الْعَضْبَاءُ قَالَ:« إِنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ لاَ يَرْفَعَ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا إِلاَّ وَضَعَهُ ». [البخاري]
بهذه الكلمات حُسمت قضية الهزيمة، وطويت صفحتها، لا لشيء إلا لأنها من أمر الدنيا، إذ لا يليق بعاقل أن يرفعها فوق قدرها، ويتحسر على فواتها .
فقارن يا أخي في هذه المواقف بين النبي صلى الله عليه وسلم الذي قطع الحمية للدنيا الفانية، وبين حال دعاة الفتنة وهم يوغرون الصدور، ويُشرِبون العداوات، ويؤججون نار الفتن..
فالله المستعان وحسبنا الله ونعم الوكيل . [كتب هذا المقال بمناسبة الأحداث الأليمة التي أعقبت المباراة التي جرت بين الجزائر ومصر يوم 14/11/2009]
 |